حسن الأمين

58

مستدركات أعيان الشيعة

استطاع صدهم ، حتى فكروا في الارتحال عنها . 2 - أصيب ابن المغربي بقلق شديد : إن ارتحال الأعراب يعني التخاذل أمام قوة الحاكم ، وفساد الخطة في أول مراحلها ، ولهذا وقف يقول لهم : « إن رحلتم على هذه الصورة وقع الطمع فيكم ، وإن صبرتم حتى تفتحوا البلد خافكم الحاكم وملكتم الشام ، والرأي أن تبادروا وتنادوا في السواد وتسمعوا الشراة في الجبال بإباحة النهب والغنيمة » . فاصغوا إلى نصيحته وعمموا النداء فانثالت الجموع المتعطشة إلى النهب من كل صوب ، وزحفوا إلى الرملة فاستولوا عليها ونهبوا كل ما قدروا عليه وعاثوا فيها فسادا . وانزعج الحاكم لما حدث فأرسل رسالة إلى المفرج بن دغفل يعاتبه ويحذره ويطالبه بإطلاق يارختكين من يد ابنه حسان وإرجاعه إلى مصر ، ولم ينس أن يعده بمكافاة مالية ضخمة إذا هو فعل ذلك . 3 - كان يارختكين يلقى على يد حسان أسوأ ما يمكن أن يعامل به أسير ، إذ عامله بامتهان شديد وتفنن في إذلاله ، وتتحدث المصادر عن ذلك الاذلال تصريحا وتعريضا ، فتصرح بأنه « سمع غناء جواريه وحظاياه وهو مقيد معه في المجلس » وتعرض بأنه « ارتكب منه فواحش عظيمة » وتعود إلى الوضوح الكلي حين تصف مصيره . ولكنها تربط ذلك المصير بالحسين بن علي المغربي ، ففيما كان المفرج يتأمل رسالة الحاكم ووعوده ، فزع ابن المغربي إلى حسان وقال له : « إن والدك سيركب إليك ولا يبرح من عندك إلا بيارختكين ، ومتى أفرجتم عنه وعاد إلى الحاكم رده إليكم في العساكر التي لا قبل لكم بها » ، وكان في رأس حسان نشوة ، ولعلها هي إحدى مواطن الضعف التي كان يستغلها ابن المغربي ، فانتفض حسان ، وأمر بإحضار يارختكين ، وذبحه صبرا بين يديه ، وأنفذ رأسه إلى المفرج أبيه ( 1 ) ، وأدرك المفرج أن الأحداث قد قطعت شوطا بعيدا في تطورها ، فلم يفاتح ابنه بشيء . 4 - بلغ بنو الجراح في علاقتهم بالحاكم نقطة اللارجوع . وكان ابن المغربي يدرك ذلك ، فتفتق ذهنه عن خطة بارعة ، وهي أن يوجد الخليفة البديل الذي يستند إليه بنو الجراح في استمداد « غطاء الشرعية » لسلطانهم ، ووجده . فاجتمع بالمفرج وأولاده وقال لهم : « قد كشفتم القناع في مباينة الحاكم ، ولم يبق من بعد للصلح موضع » ( 2 ) والتفت إلى مكة ، ولفت إليها انتباههم قائلا : هذا أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي صاحب مكة لا مطعن ولا مغمز في نسبه ( هذه إحدى فوائد علم الأنساب الذي أتقنه ) وهو في بيته وفضله وكرمه بمكان رفيع ، والصواب أن ننصبه إماما ونقوم معه على الحاكم . فاقتنع بنو الجراح بوجهة نظره ، وأمره حسان بالتوجه إلى أبي الفتوح بمكة وعرض الأمر عليه . ولما نزل على أبي الفتوح أطمعه في الرئاسة والخلافة وضمن له طاعة حسان وقومه ، وكانت العقبة الكبرى هي قلة ما في يد أبي الفتوح من مال ، يستميل به الأنصار والمؤيدين ، وحين شكا ذلك إلى ابن المغربي أشار عليه بأخذ ما في خزانة الكعبة من الأموال وانتزاع ما عليها من أطواق الذهب والفضة وضربها دراهم ودنانير ، ففعل ذلك ، وعرفت دراهمه ب « الفتحية » وقيل ب « الكعبية » ( 3 ) ، وإلى هذا يشير ابن القارح حين يعدد ذنوب ابن المغربي بقوله : « وبغضي له - شهد الله - حيا وميتا أوجبه أخذ محاريب الكعبة ، الذهب والفضة ، وضربها دنانير ودراهم ، وسماها » الكعبية « ( 4 ) . ها هي السيئات تتوالد ، وتتكاثر ويعلو بعضها بعضا لتقع جميعها على رأس المدبر « . والروايات تطلب السهولة ، إذ ما أسهل نسبة كل شيء إلى رجل موتور لا هم له إلا تنغيص حياة الخصم أو القضاء عليه . ولم تكتف الروايات بنسبة تجريد الكعبة من ذهبها وفضتها إلى ابن المغربي ، بل تشاء المصادفات أن يموت رجل ذو مال طائل بجدة ، فيوصي بمائة ألف من ثروته لأبي الفتوح ليستغلها في تدبير أموره ( 5 ) ، ولكن ابن المغربي لا يقنع بذلك بل يحرضه على احتياز الثروة كلها ( 6 ) وهكذا حلت العقدة المالية . وعندئذ جمع أبو الفتوح بني حسن وشاورهم في الأمر ، فمالت بهم دواعي السيادة وأعطوه البيعة ( 7 ) ، فأظهر أبو الفتوح دعوته وبايعه سائر أهل الحرمين ، وتلقب الراشد بالله ( 8 ) . 5 - لما تم كل ذلك عاد الحسين إلى الرملة واجتمع بالمفرج وبنيه الثلاثة حسان ومحمود وعلي ، وأخذ بيعتهم لأبي الفتوح ، ويقال إنه قام خطيبا ، وذلك غير مستعد ، ولكن الخطبة التي تنسب إليه في هذا المقام هي فاتحة خطبة لابن نباتة ، وسيجئ الحديث عنها فيما بعد . وبعد أن فرغ من أخذ البيعة لأبي الفتوح عاد إلى مكة ليكون في موكب الخليفة الجديد في مسيره إلى الرملة . وعجل أبو الفتوح في سيره ومعه نحو ألف فارس من بني حسن ، ونحو ألف عبد من قواده ، فلما اقترب الموكب من الرملة تلقاه حسان وأبوه المفرج وسائر وجوه العرب ، وقبلوا الأرض بين يديه ، ونزل في دار بني الجراح ، وتوافد الناس للتسليم عليه بالخلافة ، وكان متقلدا سيفا زعم أنه ذو الفقار ، وفي يده قضيب ذكر أنه قضيب الرسول ص ، ونادى في الناس بأمان الخائفين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( 9 ) . 6 - ركب أبو الفتوح في يوم الجمعة ، والمفرج وأولاده بين يديه مشاة ، حتى دخل المسجد ودعا ابن نباتة عبد الرحيم بن محمد الفارقي الخطيب وأمره بالخطبة . فصعد المنبر ، واشرأبت إليه الأعناق ، فحمد الله وأثنى عليه وقرأ : * ( ( طسم . تلك آيات الكتاب المبين . نتلو عليك من نبا موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون . إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين . ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين . ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما

--> ( 1 ) سياق الأحداث متابع لرواية أبي شجاع في ذيل تجارب الأمم : 233 - 235 وقارن أيضا بالعقد الثمين 4 : 70 ، 73 ، وأخبار الدول المنقطعة : 49 - 50 وبغية الطلب 8 : 128 - 129 . ( 2 ) ذيل تجارب الأمم : 235 . ( 3 ) رسالة الغفران : 58 . ( 4 ) الاعتماد في التفصيلات هنا على تاريخ الإسلام للذهبي ( حوادث : 402 ) وعلى أخبار الدول المنقطعة : 48 والعقد الثمين 4 : 70 وهو يجمع عدة روايات ولعل الفتحية هي الدراهم والكعبية هي الدنانير . ( 5 ) العقد الثمين 4 : 75 . ( 6 ) ذيل تجارب الأمم : 236 . ( 7 ) ذيل تجارب الأمم : 236 . ( 8 ) العقد الثمين 4 : 75 ( عن الذهبي ) وابن خلدون 4 : 101 . ( 9 ) العقد الثمين 4 : 75 ( عن الذهبي ) وذيل تجارب الأمم : 236 وبغية الطلب 8 : 129 ويختلف المؤرخون في السنة التي خلع فيها أبو الفتوح الطاعة للفاطميين ، انظر العقد الثمين 4 : 75 - 76 حيث أورد روايات مختلفة .